السيد محمد حسين فضل الله
35
من وحي القرآن
وبهذا جاءت هذه الآية ، فقد كانوا أثاروا أمام النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم أن ينزل عليهم كتابا من السماء . وتنطلق كلمات الآية لتكشف ما في داخلهم من عدم الجدّية في هذا الطلب لأنهم لا يعيشون مشكلة فقدان الحجة ، لتكون هذه الآية السماوية حجة عليهم ، بل يعيشون حالة انعدام الإرادة في الإيمان . . وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ولذلك فلو أن اللَّه أنزل إليهم كتابا فلمسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فإن ردّ فعلهم لن يكون إلا أن يقولوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ . وأثاروا - في هذا الاتجاه - أن ينزل اللَّه ملكا لأن البشر لا يصلح للرسالة وللوساطة بين اللَّه وبين خلقه ، باعتبار أن الرسالة من الغيب الذي لا ينبغي أن يحمله إلا أهل الغيب ، وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ولكن اللَّه يقول إن الاستجابة لهذا الاقتراح ينهي المهلة التي يمهل اللَّه بها خلقه ، فقد جرت سنة اللَّه في الأمم التي تقدم بعض الاقتراحات للرسل ، ويستجيب اللَّه لها ذلك ، أنها إذا رفضت الإيمان بالنبي وبالرسالة تواجه العذاب ، ثم يعقب اللَّه على ذلك ، أنه إذا أرسل ملكا فلا بد من أن يكون في صورة البشر وفي ثيابهم ، لأن البشر لا يتحملون صورة الملك الحقيقيّة ، أو لأنَّ صفة الملك قد تبعد عن الرسول دور القدوة ، باعتبار أن قدرة الملك تفوق قدرة البشر : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ . وإذا حصلت الاستجابة لطلبهم فأرسل اللَّه ملكا في صورة بشر ، فسيختلط عليهم الأمر لأنهم سوف يتصورونه إنسانا لا ملكا ، وسوف يكذبونه انطلاقا من بشريته التي تتنافي مع رساليّته - في زعمهم - كما لو كان بشرا حقيقيا ، وسوف يكذبون دعواه في ملائكته لأنهم لا يتفاعلون مع فكرة تحوّل الملك إلى بشر - في الصورة - وبذلك يفقدون الوضوح لدى أنفسهم ، كما حاولوا أن يلبسوا على الناس الآخرين سلامة الفكرة في شخصية الرسول فأوقعوهم في الحيرة والتخليط عندما أثاروا أمامهم أن البشرية تنافي الرسولية . ونقل المجمع عن الزجاج قوله : كانوا هم يلبسون على ضعفتهم